سليمان بن موسى الكلاعي

271

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

قد اتخذ في داره صنما من خشب ، يقال له : مناة ، كما كانت الأشراف يصنعون ، يتخذه إلها يعظمه ، ويطهره ، فلما أسلم فتيان بنى سلمة ، ابنه معاذ ، ومعاذ بن جبل في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة ، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك ، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بنى سلمة ، وفيها عذر الناس ، منكسا على رأسه . فإذا أصبح عمرو قال : ويلكم ، من عدا على آلهتنا هذه الليلة ، ثم يغدو يلتمسه ، حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ، ثم قال : أما والله ، لو أعلم من فعل بك هذا لأخزيته ، فإذا أمسى ونام عمرو ، عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك ، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى ، فيغسله ويطهره ويطيبه ، ثم يعدون عليه إذا أمسى ، فيفعلون به مثل ذلك ، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما ، فغسله وطهره وطيبه ، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ، ثم قال له : إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى ، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك ، فلما أمسى ونام عمرو ، عدوا عليه ، فأخذوا السيف من عنقه ، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ، ثم ألقوه في بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر من عذر الناس ، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه . فخرج يتتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت ، فلما رآه أبصر شأنه ، وكلمه من أسلم من قومه فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف يذكر صنمه ذلك ، وما أبصره من أمره ، ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة : والله لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن « 1 » أف لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك من سوء الغبن « 2 » الحمد لله العلى ذي المنن * الواهب الرزاق ديان الدين هو الذي أنقذنى من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن قال ابن إسحاق « 3 » : وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء ، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله تبارك وتعالى ، والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل ، فكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم

--> ( 1 ) القرن : بفتح القاف والراء ، قيل : هو شئ من لحاء شجر يفتل منه حبل ، وقيل : الحبل من اللحاء ، وقيل : هو الخصلة المفتولة من العهن . ( 2 ) مستدن : أي ذليل مستبعد ، وقال السهيلي في الروض الأنف : هو من السدانة وهى خدمة البيت . والغبن : يكون في الرأي تقول غبن رأى فلان كما تقول سفهت نفس فلان . ( 3 ) انظر : السيرة ( 2 / 74 - 75 ) .